بن عيسى باطاهر
189
المقابلة في القرآن الكريم
« ولا يخفى أنّ النوع الأول من المفاهيم القرآنية للعلم ، وهو الحكم العقلي هو في الواقع وراء كل علم مستنبط من المشاهدة والتجارب الحسيّة ، لأنه هو الذي يستخدمه الفكر لإدراك الحقائق الحسية ، والنسب والعلاقات بين الأشياء ، والتمييز بينها ، وتصنيفها ، واستخراج قوانينها وأسرارها ، لأنّ الحقائق والقوانين الطبيعية لا تنطق بذاتها ، ولا تخرج إلى عالم الألفاظ وحدها ، وإنما يستخرجها الفكر الإنساني ويصحبها ، ليبرزها ويظهرها في علم الصيغ والألفاظ ، ويقننها ويسجلها في سجل العلوم والحقائق الثابتة في ميراث الإنسانية كلّها » « 1 » . والعلم المقصود في قوله تعالى : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [ فاطر : 28 ] ، هو العلم الذي لا يحصّل إلّا بالبحث الجاد ، والنظر المتأمل ، والعقل الدارس المفكر في خلق السماوات والأرض ، وما في السماوات والأرض ، فمعرفة اللّه أولا ثم الخشية منه ثانيا « 2 » . والنوع الثالث من العلم في المفاهيم القرآنية « هو العلم عن طريق الوحي الإلهي للأنبياء ، وهو بمعنى آخر علم الشرع ، ولا يأتي عن طريق معاناة الحواس أو العقل في إدراكهما الحقائق الحسية أو العقلية ، كما هو الشأن في النوعين السابقين الأول والثاني من العلم ، إنّما يأتي كما قلنا عن طريق الوحي الإلهي إلى الروح الإنساني الممثل في الأنبياء والمرسلين . فهو فيض من علم اللّه سبحانه ونوره الكاشف ، ينزّله على قلب النبيّ بحقائق بعضها من الغيب المحجب من العقول ، كأخبار البعث والقيامة والحشر والحساب والجنّة والنار والملأ الأعلى ، وبعضها من عالم التجارب والوقائع والشرائع والنظم في هذه الحياة الدنيا كأخبار الأمم السالفة ، وكأنباء المستقبل ، وكالأحكام الصحيحة في الاجتماع والسياسة والاقتصاد والشريعة ، وكل أولئك
--> ( 1 ) العلم والإيمان في الإسلام - مجموعة من المؤلفين ص 88 . ( 2 ) عبد الكريم الخطيب - التفسير القرآني للقرآن - ج 4 - ص 881 .